محمد بن جرير الطبري

63

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا ؛ والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا عنده خفوا أصواتهم ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . فقال رجل من كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائته ؛ فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا فلان ، وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها له " ، فبعثت له ، واستقبله قوم يلبون ؛ فلما رأى ذلك قال سبحان الله ، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص ، فقال : دعوني آته ، فقالوا ائته ، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : وهذا مكرز بن حفص ، وهو رجل فاجر " فجاء فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يكلمه ، إذ جاء سهيل بن عمرو ، قال أيوب ، قال عكرمة : إنه لما جاء سهيل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " قد سهل لكم من أمركم " . قال الزهري : فجاء سهيل بن عمرو ، فقال : هات نكتب بيننا وبينك كتابا ؛ فدعا الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقال : ما الرحمن ؟ فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اكتب : باسمك اللهم " ثم قال : " اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " ، فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله " ؛ قال الزهري : وذلك لقوله : " والله لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " على أن تخلوا بيننا وبين البيت ، فنطوف به " ؛ قال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن لك من العام المقبل ، فكتب فقال سهيل ، وعلى أنه لا يأتيك منا رجل إن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله ، وكيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينما هم كذلك ، إذا جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلينا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأجره لي " ، فقال : ما أنا بمجيره لك ، قال : " بلى فافعل " ، قال : ما أنا بفاعل ؛ قال صاحبه مكرز وسهيل إلى جنبه : قد أجرناه لك ؛ فقال أبو جندل أي معاشر المسلمين ، أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ترون ما قد لقيت ؟ كان قد عذب عذابا شديدا في الله . قال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : " بلى " ، قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذن ؟ قال : " وإني رسول الله ، ولست أعصيه وهو ناصري " ، قلت : ألست تحدثنا أنا سنأتي البيت ، فنطوف به ؟ قال : " بلى " ، قال : " فأخبرتك أنك تأتيه العام " ؟ قلت : لا قال : " فإنك آتيه ومتطوف به " ؛ قال : ثم أتيت أبا بكر ، فقلت : أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذا ؟ قال أيها الرحل إنه رسول الله ، وليس يعصي ربه ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ؛ قلت : أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قال : لا ، قال : فإنك آتيه ومتطوف به . قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ؛ فلما فرغ من قصته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " ، قال : فوالله ما قام منا رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ؛ فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة :